2012-03-28

التأليم العالي .. والطب .. وتنظير الوزير

اقتباس : (وطالب حميدة وزارة التعليم العالي بضرورة اعادة النظر في قبول الطلاب للدخول لكليات الطب ، ودافع حميدة عن طريقة اختيار الاطباء للوظائف العامة وقال إن الاختيار يتم وفقا للمعايير العلمية البحتة لمزيد من التجويد للعملية الصحية، نافيا تشكيكهم في الشهادة الممنوحة من قبل المجلس الطبي للأطباء) .. المصدر : من لقاء لسيادة وزير الصحة بولاية الخرطوم ، د.مأمون حميده بتاريخ 26 مارس 2012 . 
نعم يجب أن نعترف أن التعليم الطبي يحتاج لمراجعات كثيره
 ولكن ! أين أس البلاء ؟

أولاً : سياسات التعليم العالي بالتوسع دون أسس منهجيه تضمن تأسيس كلية طب تخرج فعلا اطباء تنتفع منهم البلد ، وليس لمجرد ارضاء قبيله أو منطقه أو حاشيه ، خلاص حنعمل ليكم كلية طب ! أها خمّوا وصرّوا 

ثانياً : ذات السياسات سمحت للوجهاء من القوم بفتح كليات طب خاصه دون أن يفرض عليهم تأسيس مستشفيات ترقى لمستوى كلمة (تعليميه) ، والحديث هنا عن وزير الصحه - ولاية الخرطوم ، الرأس مالي مامون حميده ، الذي يبني مستشفى الزيتونه بالملايين ويعجز عن توفير خدمات ولاده بمستشفى البان جديد الذي يقع تحت مسؤولية الجامعه التي يملكها لتلد امرأة سودانيه في الشارع العام أمام المستشفى الذي أفقره وهدمه بعد ان آل اليه .. وكذلك مستشفى الاكاديميه الذي حدث ولا حرج عن مستوى الخدمات فيه (بشهادة الأطباء) .. هذا غير الحديث عن تدنّي نسب القبول في بعض الكليات الخاصه .. 

ثالثاً : سياسات الإبعاد لأساتذة الجامعات المتمثله في الإحاله للصالح العام في بداية عهد الانقاذ ، إلى التضييق على كل من لم ينتمي لتنظيمهم ، وكل من يعارضهم وإن كان أكفأ الاكفاء ، مما حدا بالعقول المستنيره الى الهجره والعمل في بلاد تحترمهم وتحترم عقولهم ، هذا غير الحديث عن الرواتب الضعيفه للأساتذه وغيره الكثير .. وكمثال : أنا تخرجت من جامعة الجزيره قبل 7 أعوام أو يزيد ، هل تدرون كم عدد أساتذة التشريح لدينا في ذلك الوقت : إثنان فقط ، في كليةٍ نالت عام 2001 حسب ما اذكر جائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم لأفضل كلية طب بالوطن العربي (يظهر العميد في الصوره وهو يتسلم الجائزه) بعد تنافس شرس مع أعرق الجامعات .. فما بالك بكليات الطب في الولايات الاخرى ؟  

رابعاً : سياسة قبول ابناء الشهداء وابناء العاملين بالتعليم العالي  ، الأولى كان أن يقبلوا بالمجان وتدفع لهم رواتب بدلاً عن قبولهم بنسب أقل من النسبه المحدده للكليه دفعاً للشبهات وفي ذلك ايضا وفاء لأهلهم .. أما عن اختراع امتحانات خاصه (للمجاهدين) والدبابين فهذا يستحق جائزة نوبل ! 
خامساً : سياسات قبول الأعداد الهائله غير المتناسبه مع عدد الاساتذه ولا مع حجم المستشفيات المتوفره للكليه المعنيه .. 
سادساً : مثال : أذكر ان جامعة الفاشر كلية الطب في وقت ما كانت تحصل على الجثث للمشرحه من جامعة الجزيره ، وطلابها يتوزعون في السنة الاخيره بين الخرطوم والجزيره لدراسة العلوم السريريه .. أيّ هوان ذلك! 
سابعاً : سياسة التعريب وقد اكتوينا بها ما اكتوينا .. بعيداً عن ضعف اللغه الانجليزيه أصلا للقادمين من الثانوي ..  
ثامناً : الطالب لم يعد يفهم أنه طالب وليس تلميذ والفرق كبير ، فقد انتهت بدخول الجامعه مرحلة الإطعام بالملعقه ، والدور الملقى على الطالب لا يقل عن الاستاذ ، ولكن الطلاب (أو لعلهم التلاميذ) - دايرين الساااهله - ورق مطبوع ومذكرات ولا يريدون البحث في المراجع .. يا حسرتاه .. 
تاسعاً : حتى بعد التخرج تواصل الدوله تخبطها ، فتسمح بتوزيع اطباء الامتياز في مستشفيات تسمى مجازاً بالتعليميه ، وأنا اصطلاحا أسميها (تأليميه) ، لاتصلح لتقديم خبره عمليه كافيه لطبيب حديث التخرج ربما يظل بلا تخصص طوال عمره ، فتكون الخبره القليله التي خرج بها من الامتياز هي زاده ، ولكن لقد أسمعتَ إذ ناديت حياً - ولكن لاحياة لمن تنادي والأمثله كثيره ولامجال لها هنا .. 
عاشراً : الظروف الصعبه التي يعيشها طلاب كليات الطب خارج العاصمه وربما داخلها أيضاً في الداخليات التي كانت في زمن الوزير أعلاه أفضل من فندق 5 نجوم .. فكيف يدرس الطالب إن كان لايدري كيف سيجهز قوت يومه .. 

كل ما ذكر أعلاه قطرة في بحر الاخفاقات في مجال التعليم الطبي في السودان ، وفي النهايه تلقى اللائمه على الطبيب ، وتتناول الصحف الاخطاء الطبيه وكأنها جرائم حرب ضد الانسانيه
ثم يأتي سيادة الوزير بهذا الإمتحان الجديد من بنات أفكاره ليلغي ضمنياً أهمية و جدوى إمتحان ممارسة المهنه الذي يعقده المجلس الطبي السوداني .. يعني بلّوه واشربوا مويتو
مالكم كيف تحكمون .. ! 

2012-03-25

حين أصبح الخيار الموت أو تخثر الكلام


"  لماذا يظن الطغاة الصغار 
وتشحب ألوانهم 
أن موت المناضل موت القضيه .. ! 
لا خائفاً .. 
إن صوتي مشنقة للطغاة جميعاً 
ولا نادماً .. 
إن روحي مثقلة بالغضب .. "

* * * 

" لا تحفروا لي قبراً 
سأرقد في كل شبر من الأرض 
أرقد كالماء في جسد النيل 
ارقد كالشمس فوق حقول بلادي .. "

* * * 

" و بأحرف شجاعه لا تعرف السكوت 
وكلمة وصوت 
وقفوا .. صمدوا .. هتفوا 
ظلوا رواداً حتى الموت .. "

2012-03-21

يا زمان الآهه حدك

(إنا لله وإنا إليه راجعون) .. 
قبل شهر ابتدرت نصاً مشابها بنفس الآيه الكريمه أعلاه .. 
بالتأكيد لم أكن اتخيل أنني سأكتب مرة أخرى عن فقد آخر ولم يجف بعد حبر مرثيتي الأولى في وردي ، ولم تجف بعد الدموع الثخينه على فقدٍ بحجمه ، فإذا بالوطن المكلوم يفجع برحيل علم آخر من أدبائه ، الشاعر الإنسان البسيط محمد الحسن سالم حميد (عليه الرحمه )  ..  
كتب بكل البساطه اللغويه التي تجعل شعره في متناول البسطاء .. 
كتب لكل ما يؤمن به .. الوطن .. الحريه .. الديمقراطيه .. السلام .. الإنسان .. الخبز .. 
( وطن منضوم بلا حظرِ وطواريء أحوم )  .. 
(دايرين بوسطة ومدرسة وسطى 
والشفخانة وسوق منضبطة) .. 
كتب ضد القمع .. ضد الجوع .. ضد الفقر .. ضد التسلط والقهر .. ضد الإتجار بالدين .. 
(إذكرت كلامك ليا .. 
إنو في ناس لاعبين بالدين 
وناس لاعبابا الأمريكان) ..  
 

كتب عن عم عبدالرحيم .. وست الدار .. والسره بت عوض الكريم .. 
وعن العمال اصحاب الحق .. 
(إتكلمنا كلام موضوعي 
قلنا المصنع حق الدولة .. 

والعمال أصحاب الحق 
هي اللي تقرر والتتولى 
هي البتحدد سير المصنع 
إيد العامل هي العاد تنتج 
ما المكنات الأمريكية 
زيت العامل ياهو البطلع .. 

مو المكنات الأمريكية 
ودرن الأيدي العمالية 
أنضف من لسنات الفجرة 
ودين الدقن الشيطانيه ) .. 

كتب عن فجعة الوطن الذي كان ينتظر الخلاص من مثقفيه وعماله ومزارعيه ، فإذا به يفاجأ (بالخازوق) من تحت أقدام العسكر .. 
(من الواسوق أبت تطلع 
من الأبرول أبت تطلع 
من الأقلام أبت تطلع 
من المدفع طلع خازوق 
خوازيق البلد زادت ) .. 
كتب وكتب وكتب .. 
أما أنا فقد انعقد لساني ولم استطع أن اكتب عنه أكثر .. 
فقدت بلادنا في السنوات الأخيرة خيرة كتابها وشعرائها .. 
فقد رحل عنا محمد سعد دياب ، محي الدين فارس ، الطيب صالح ، مجدي النور ، عبدالله الطيب  وغيرهم ممن لا يتسع المجال لذكرهم .. لهم جميعاً الرحمه والمغفره .. 
سيبقى ما قدموه من عطاء شاهداً على إنسانيتهم وسودانيتهم .. 
فهل يواصل الوطن نزيف مبدعيه على فرش المرض وطرق الموت ، بينما يفلت المجرمون من الموت في حطام الطائرات ليواصلوا استنزافنا .. !! 
يا زمان الآهه حدك .. 
لا تطا الورده الصبيه .. 





2012-03-20

طقس المحبين

كانت تحدثه عن جمال الطقس ، كان يحدثها عن روعتها هي .. 
فقد كانت طقسه الخاص .. 
لذلك فعندما أمطرت ذلك المساء تساقطت عليه حباً ، وكانت برداً وسلاماً على قلبه .. 
وعند شروق الشمس صارت قوس قزح تلونت ببهجته سماء عشقهما الإستثنائي .. 
يا لطقس المحبين .. !  

2012-02-19

جميع الأغاني إتكالن عليك - الرحيل المر

(إنا لله وإنا إليه راجعون) .. 
الإسم الكامل : إنسان .. 
العمر : فدىً لك العمر ، ولولا الأسى لقلت تفديك الليالي الطوال .. 
البلد : إني أنا السودان أرض السؤدد .. 
الديانه : للظلم يوماً ما ركع مهما جرى .. 
المهنه : استاذ في مدرسة الشعب .. 
الفكره : أبداً لحكم الفرد لااااااااااااااااااا ، بالدم لحكم الفرد لاااااااااااااااااا .. تحيا الديمقراطيه كم نفديك يا مستقبلا .. 
مكان القبر : لا تحفروا لي قبراً ، سأرقد في كل شبر من الأرض ، أرقد كالماء في جسد النيل ، أرقد كالشمس فوق حقول بلادي ، مثلي أنا ليس يسكن قبراً .. 
يا لفقدك .. إن العين لتدمع والقلب ليحزن .. 
رحلت في هدوء .. رحلت في (موسم الشوق الحلو) وقبل الربيع .. 
رحلت قبل أن تنهد المقصله ، وقبل أن ينخلع ترباس السجن .. وقبل ختام المهزله .. 
من غيرك أعطى لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصر ؟ من غنى مثلك للوطن ؟ 
لم يغن أحد للوطن كما غنيت أبداً .. كنت الأكثر احتفاءاً به .. وتمجيداً له ولشعبه ولثوراته وشهدائه ورموزه .. 
منذ الصغر وأنا اتشرب فنك وإنشادك .. تماماً بنفس النهم والحنين الذي رضعت به ثدي أمي .. 
كان غناؤك حولي كأثاث بيتنا وفرشه .. أينما وليت وجهي فثم قصيد أو حفل لك في نواحي المنزل .. 
كنت اترنم بما تشدو أنت به حتى قبل أن ادرك عظمة معانيه .. وقبل أن أفهم موقع الوطن من الجغرافيا والتاريخ .. 
(والعمر زادت غلاوتو معاك .. وصالحني الزمان) .. 
يا أعز الناس .. 
في حضرة غناك ، كان ولا زال وسيظل ، يطيب الجلوس ويحلو الانحناء لقامتك المديده ، (لأنك محنك ، عميق الدروس ، مجيد المهابه ، مديد القوام ) .. 
تعلمت حب الوطن من استماعي لفنك الأصيل .. تعلمت أن الوطن ليس أرضاً نمشي عليها فحسب .. وليس علماً نردد له النشيد فقط ..  تعلمت أن الوطن فكرة في دواخلنا نحملها معنا أينما ذهبنا ، تحط رحالها حيث نحط  ( لو لحظة من وسن ، تذهب عني حزني ، تحملني ترجعني ، إلى عيون وطني يا وطني ) .. ، أن الوطن نغني بإسمه فخراً لنا (أبداً ماهنت يا سوداننا يوماً علينا ) .. 
أن الوطن هو (السواقي وخيوط الطواقي وسلام التلاقي ودموع الفراق) .. 
تعلمت من غنائه يا وطني أنك ( في زمن الغربة والارتحال ، تأخذني منك وتعدو التلال ) و (أنت عشقي ، حيث لا عشق يا سودان إلا النسور الجبال) .. تعلمت منه أن الوطن هو المعلم الأول (علمنا الرمايه والحجى والقرايه ، والمشي بي مهابه في الضحى والظلام ) .. 
تعلمت أن الوطن يبنى بالجميع (مكان الفرد تتقدم قيادتنا الجماعيه) .. وأن شعبنا وإن سكت على الظلم حيناً لا بد أن يثور على جلاده يوماً (الصرخه كانت همهمه ، والهبه كانت ململه ) .. 
تعلمت كيف تكون الأحلام في حق الوطن (مكان السجن مستشفى ، مكان المنفى كليه) ، (مكان الطلقه عصفوره ، تحلق حول نافوره تمازح شفع الروضه) .. يا الله .. ما أجمله من حلم .. 
غنى للشعب الذي تسامى (يا هذا الهمام) ، والشعب الثائر (تلقى مرادك والفي نيتك) ، وشعب الملحمه ، لجيل البطولات وجيل التضحيات ، غنى لشموخ النساء وكبرياء الرجال .. 
غنى للتاريخ ، لمهيره وبعانخي وتهراقا والمهدي ، لحريق المك في قلب الدخيل ، لعلي عبداللطيف وود حبوبه والماظ والقرشي وجميع الشهداء .. 
كان في ترحاله حين يشتاق للوطن (يرحل ليهو من غير زاد) .. وكنت أنا أرحل للوطن وأنا أمشي على ترابه عبر كلمات أغانيه ، كنت أكثر ما أستمع إليه رائعته (وطنا) من كلمات المتوهج محجوب شريف أمده الله بالصحه والعافيه .. أجد في كلماتها نفسي .. وعلى سلالمها أصعد إلى سدرة منتهى عشق الوطن .. يا الله .. 
كان نضاله أقوى من أي سلاح ، (أجمل من رائحة النضال لم أشم رائحه)، نضال الكلمه واللحن ، لم يتزحزح عن مواقفه (ماك هوين سهل قيادك ، سيد نفسك ميييين أسيادك) .. 
كان نضالك بصحبة العديد من الشعراء الذين صاغوا أروع الكلمات في الحب والوطن .. لهم التحيه وللراحلين منهم الرحمه .. 
هكذا تعرفت عليك ( من غير ميعاد ) وعبر بوابة الوطن ، فكنت (أجمل هديه) أهداني إياها والدي أمد الله في عمرهما .. 
كان وردي مثل اكتوبر في أمتنا منذ الازل ، كان خلف الصبر والاحزان (ومعاناة المرض) يحيا صامداً منتظراً أن يطل صبح أمتنا ، أمة الامجاد ، غنى في صباه واقفاً شامخاً كنيل بلادي ، حتى إذا أضناه السفر والمرض غنى جالساً في حضرة الوطن الجميل .. ورحل قبل أن يتشابك الشباب (شديد الزحام) .. 
(حليل الكان بهدي الغير) ، صبح جثمان .. واااااااااااااا أسفاي .. 
كنت تحمل (الحزن القديم) على وطنك .. واليوم نحن نحمل حزننا عليك أضعاف ذلك ..  فكيف أصبحت الاغاني من بعدك ؟ (جميع الأغاني إتكالن عليك) .. 
وهل كما قرأت اليوم في مكان ما ، بعد غيابك وجب التيمم ؟! 
لك الرحمه .. ودعوات الملايين من شعبنا .. وحبهم اللامتناهي ..
ساكن فيني هواك وبريدك .. جوه القلب النبضو يصونك .. 
سافر .. بالسلامه .. أنحن متين سفرنا ؟؟ .. 





2012-02-10

قوس قزح


من بعض هذا السحر كانت
تمتطي فرساً ونور .. 
زجاجتان من الشراب وكوب ماء
لو كنت اعرف ذاتها قبل التلاقي
أو كما يأتي الربيع .. ! 
لكنها جاءت غماماً
وارتحلتُ أنا

وبقيت هي قوساً من قزح ..  



( امدرمان - 2004  )

2012-01-17

عنقاء الخوف و .. طب السوبرماركت

درسنا في الجامعه أن الامراض النفسيه نوعان : امراض عصابيه (neurosis) وامراض ذهانيه (psychosis) ، مايهمني هنا هو العصابيه ، فأحاسيس مثل الخوف والقلق هي شيء طبيعي في تكوين الإنسان ، ولكنها تصبح ذات طابع مرضي عندما تصبح اكثر مما يجب وتعطل حياتك وعملك ، وتسبب لك الاحراج والمشاكل مع الآخرين ..
 الخوف من الأماكن المظلمه لازمني حتى المرحله الدراسيه المتوسطه (اعتراف خطير) ، ولست أدري حتى الآن كيف تغلبت عليه بعد تلك الفتره بحمد الله ، ولكن الخوف من الكلاب لازال يلازمني (اعتراف آخر) .
هناك أنواع أخرى من الخوف ظهرت بعد بداية الالتحاق بالعمل مثل الخوف من الإختصاصي او الاستشاري ( بالعربي كده ال Boss ) الذي تعمل في وحدته أو قسمه ، أو النائب ، فتخاف أن يبطش بك (طبعا إذا لم تقم بملء ملف المريض ، أو لم تسجل نتائج فحوصاته المعمليه ، أو لم تحضر للمرور المسائي ، أو جئت متأخرا للمرور الصباحي ، أو سئلت عن شيء يخص مريضاً تحت مسئوليتك ولم تعرفه ... الخ ) ، والبطش هنا أنواع على حسب الشخص ، فمنهم من يكتفي بنظرة حاده ومؤنبه لك ، ومنهم من يمطرك بأنواع الشتائم والتقريع ، ومنهم من يطردك من المرور ، والقليل منهم يمد يده بضربة أو ( بونيه ) .
أحد النواب ، وكنت حينها طبيب امتياز ، حين غضب مني لاختلاف طفيف في وجهات النظر اكتفى بتهميشي أثناء المرور اليومي ، كان يكتب في الملفات بنفسه ويستفسر من المرضى مباشرة ولا يسألني ، ويكتب (الروشتات) بنفسه وذلك لعدة أيام ، عادت المياه بعدها لمجاريها (طبعا هو كان مفتكر إنو بعاقب فيني ، ماعارف إنو ده أحلى عقاب لطبيب امتياز !) . 
ما يدهشني هو أن بعض الزملاء لا يزيدهم العقاب الا غياً ، فأذكر كان أحدهم يوبخ تقريبا يوميا ويظل يكرر الاخطاء نفسها كل مرة ، وطبعاً بسببه نوبخ جميعاً فتود لو أن الأرض تنشق لتبتلعك في حينها .
أما الخوف الذي رأيته في هذا البلد فهو أمر آخر ..
الخوف هنا له بذرة تنمو في أرض خصبه ، بها كل مقومات تضخيمه وتأصيله في نفوس الذين غادروا أوطانهم وقدموا إلى هنا بحثاً عن عيشٍ كريم  صعب عليهم إيجاده هناك ..
الخوف هنا كائن يمشي على قدمين ..
الخوف هنا كالعنقاء ، ذلك الطائر الخرافي الذي يبعث من جديد بعد موته ..  تُبعث عنقاء الخوف هنا مع شروق كل شمس ..
المزعج جداً في هذا الأمر هو مدى تأثيره على الاداء المهني لبعض الزملاء من الاطباء خاصة غير الناطقين بالعربيه وبعض الناطقين بها (خاصة إخواننا من دولة صديقه) ، فالخوف من الدخول في أي مشكله أو شكوى أو حتى مجرد النقاش الحاد مع المريض أو مرافقه يجعلهم يمارسون ما أطلقت عليه إسم : طب السوبرماركت !
يدخل المريض الى المستشفى لمقابلة الطبيب ، ويشكو ما به من علة ، يسمعه الطبيب ويقوم بالكشف عليه ، ثم يصف له العلاج المناسب أو يقدم له النصح المطلوب حسب حالته ، وللمريض (أو لأبويه إن كان طفلا) الحق في قبول أو رفض العلاج حسب القوانين الساريه في كل بلد على حده .. هذا هو الشيء الطبيعي عموما ..
يأتي المريض هنا وهو قد حدد (مسبقاً) تشخيصه وحدد أيضاً الفحص و العلاج المناسب ، وإنما قد أتى فقط ليكتب له الطبيب الروشته (الوصفه الطبيه) ويصرفها من الصيدليه ثم يذهب في سبيله ..
فهنا يمكن للمريض أن يطلب السوائل الوريديه كأنها زجاجة بيبسي ، والحقن كذلك ، ورذاذ الفنتولين Nebulized ، والتصوير بالأشعه وغيرها .. أما الحبوب والأدويه التي تؤخذ عن طريق الفم فهذه تطلب بشكل روتيني يومي وكأنها مجرد مياه معدنيه أو حلويات .. !
والويل كل الويل للطبيب (خاصة غير الناطقين بالعربيه) إن رفض ذلك أو حاول أن يناقش ، عندها ينعته بأنواع الشتائم مثل – بتصرف طبعاً وليس كما تقال - : (يلعن ابوك من وين  جابوك إنت) ، (إنت دكتور إنت ! إنت دكتور بهائم) ، (إنت هنا عشان تخدمني وتسوي اللي اقوله) ، (والله إنت ماتدري شي)  ... الخ ، وغير ذلك من اللهجه الحاده الآمره (للاطباء والممرضات) .. هذا غير التدخلات من بعض الإداريين وغيرهم ..
أما الطامة الكبرى فهي التفرقه في التعامل بين المرضى مواطني البلد والمرضى (الأجانب)  بشكل لا أخلاقي Non-ethical ، يبدو هذا جلياً في طريقة استقبال الطبيب للمريض وكيفية علاجه ، والتفاعل معه ، فإن كان من أهل البلد وجد كل العنايه (المحروسه بعنقاء الخوف) ، وإن كان غير ذلك فلا خوف هنا لأنه لن يتقدم بشكوى أو ماشابه ذلك وحتى إن مات فهو مجرد أجنبي !! (أين أنت يا أبوقراط) ! ..
كان نتاج كل ذلك أن فقدت المهنه هيبتها المهنيه ، وصار الطبيب مجرد كاتب لاحول له ولا قوه ، يؤمر فيطيع ، بالله عليكم كيف تفيد الأشعه السينيه في تشخيص التهاب المعده Gastritis ؟ ، وما فائدة الاستيرويدات Dexamethazone في علاج نزلة البرد Common Cold ؟ ، وما دور مضاد التتنس في علاج لدغة العقرب ؟ ،  وما فائدة مضادات التحسس Antihistamines في علاج الحمى المصحوبه (بالقشعريره) Shivering ؟ - حلوه قشعريره دي مش؟- ، هذه مجرد أمثله غيرها كثير ..
يفسر هؤلاء الزملاء الأمر بأنهم لايريدون الدخول في مشاكل ، وأن عدم معرفتهم باللغة العربيه يشكل حاجزاً بينهم وبين النصح الصحيح للمريض وتوجيهه ، ويحذرونني دائماً بأنني يوما ما سأقع في مشكلة .. أما الإخوة الاطباء العرب فيفعلونها من باب التملق وإظهار الحرص للحصول على الرضا الإداري ..
اختم حديثي هذا بمقولة للشيخ جمال الدين الأفغاني :

( أيها الدرويش الفاني : مم تخش ؟! .. إذهب وشأنك , لا تخف من السلطان , ولا تخش الشيطان !! . كن فيلسوفا , يرى الدنيا ألعوبه ! ولا تكن صبياً هلوعاً ؟! .. إنه سيان عندي , طال العمر أو قصر .. فإن هدفي أن أبلغ الغاية , وحينئذ أقول : فزت ورب الكعبة!  ) ..